السيد محمد حسين فضل الله

37

من وحي القرآن

فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ [ الأنعام : 118 ] . وهكذا تتنوع الآيات التي تتحدث عن ذكر اللَّه وعن الذاكرين للَّه ، في ما يمثله ذلك من قيمة روحية كبيرة تتصل بالمستوى الإيماني للإنسان المسلم ، وبالدرجة الرفعة التي يحصل عليها عند اللَّه سبحانه وتعالى . إننا نستطيع أن نخرج من هذا العرض السريع بنتيجة محددة ، وهي أن اللَّه يريد لعباده أن يذكروه دائما في كل أمورهم ، وأن يربطوا به كل تحركاتهم وأوضاعهم ، ليظل وعيهم الإيماني في الحضور الإلهي في فكرهم وشعورهم منفتحا على اللَّه ، وليبقى إحساسهم متحركا في نطاق ارتباط كل الأشياء به ، فلا يستسلم الإنسان للحالات التي توحي له باستقلاله الذاتي أو باستقلال الأسباب الواقعية المحيطة به في إدارة قضاياه أو قضايا الكون من حوله ، والتي قد تأتي من خلال الغفلة عن عمق الفقر التكويني الذي يتمثل في كل الموجودات في علاقاتها باللَّه . وهذا ما انطلقت به التربية الإسلامية ، لتجعل بداية كل عمل يقوم به الإنسان مرتبطاً باللَّه سبحانه وتعالى ، ليتولد لديه الشعور بأن الطاقة التي يبذلها والأفكار التي يطلقها ليست شيئا ذاتيا ، بل هي شيء مستمد من اللَّه ، بسبب ما أودعه في كيانه من أجهزة ، وما أحاطه به من إمكانات ، وهداه إليه من وسائل . بين الارتباط باللَّه والثقة بالنفس وليس معنى ذلك - كما قد يخيّل للبعض - أن يبتعد الإنسان عن الإحساس بالثقة بنفسه ، ليكون مجرد خشبة في مجرى التيار ، أو ورقة في